أبي منصور الماتريدي
236
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله تعالى : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، أي : لا أحد يجترئ على الشفاعة إلا بإذنه . ثم اختلف في الشفاعة : قالت المعتزلة : لا تكون الشفاعة إلا لأهل الخيرات خاصة الذين لا ذنب لهم ، أو كان لهم ذنب فتابوا عنه . ذهبوا في ذلك إلى ما ذكر اللّه تعالى في قوله : الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ [ غافر : 7 ] ، أخبر أنهم يستغفرون للذين آمنوا وتابوا واتبعوا . فإذا كان الاستغفار في الدنيا إنما يكون للذين آمنوا وتابوا واتبعوا ، فعلى ذلك الشفاعة إنما تكون في الآخرة لهؤلاء . وأما عندنا : فإن الشفاعة تكون لأهل الذنوب ؛ لأن من لا ذنب له لا حاجة له إلى الشفاعة . وقوله : لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ، يكون لهم ذنوب في أحوال التوبة ، فإنما يغفر لهم الذنوب التي كانت لهم ، فقد ظهر الاستغفار لأهل الذنوب ؛ فعلى ذلك الشفاعة . فإن قيل : أرأيت رجلا قال لعبده : إن عملت عملا تستوجب به الشفاعة فأنت حر ، فأي عمل يعمله ليستوجب به الشفاعة حتى يعتق عبده : الطاعة ، أو المعصية ؟ قيل : الطاعة ، فعلى ذلك الشفاعة ، لا تكون إلا لأهل الطاعة والخير لا لأهل المعصية . [ قيل : إن الشفاعة التي يستوجبها أهل الذنوب إنما يستوجبون بالطاعات التي كانت لهم حالة الشفاعة ؛ لأن أهل الإيمان وإن ارتكبوا مآثم ومعاصي فإن لهم طاعات ، فبتلك الطاعات يستوجبون الشفاعة ، كقوله : خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً [ التوبة : 102 ] ، فالشفاعة في شره بخيره ] « 1 » . وقالوا : لا شفاعة في الشاهد لأحد في الآخرة ؛ لأن الشفاعة هي أن يذكر عن مناقب أحد عند أحد وخيراته ، ليس سواء « 2 » ، وكذا في الآخرة . والجواب لهم من وجهين : أحدهما : أنه إنما يذكر في الدنيا خيرات المشفع له لجهالة هذا بأحواله ، فيذكر خيراته ليعرفه بها ، فيشفع فيه . واللّه تعالى عارف لا يتعرف « 3 » .
--> ( 1 ) ما بين المعقوفين سقط في أ ، ط . ( 2 ) في أ : سواء . ( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 5788 ، 5789 ) ، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، والبيهقي في الأسماء والصفات كما في الدر المنثور ( 1 / 580 ) .